السبت، ١٩ مارس، ٢٠١١

آلهة تعبد من دون الله


أعتقد بأن العقل وأشياء أخرى مثل بعض المباديء المتوارثة ثقافيا هي آلهة تعبد من دون الله تعالى
بدأت مؤخرا بقراءة كتاب عن التسامح واللا تسامح ويوغل المؤلف في تعداد الأمثلة من اللا تسامح الديني والثقافي والسياسي والأيديولوجي
يقول المؤلف:
اللا تسامح الديني مصدره اليقين المطلق لحقيقة واحدة تأتي من الإله
اللا تسامح الثقافي مصدره اليقين المطلق لحقيقة واحدة تأتي من الآباء
اللا تسامح السياسي مصدره اليقين المطلق لحقيقة واحدة تأتي من الرئيس
اللاتسامح الأيديلوجي مصدره اليقين المطلق لحقيقة واحدة تأتي من العقل

يعتبرنوع من العبادة حالة الميل العاطفي الشديد لدرجة اللا تسامح ولدرجة حمل الآخرين على المشاركة فيه وجوبا -وإلا فجزاؤهم الطرد والتهميش أو حتى التصفية الجسدية- وهذا وإن لم يكن بصورة تقليدية فقد يرقى لدرجة اتخاذ الإله وبإمعان النظر قد تجد طقوسا للعبادة أيضا.

يعتبر المؤلف أن اللا تسامح هو اليقين المطلق الراسخ الذي لا يقبل النقاش..عموما ما يسوقه من حديث ليس دفاعا عن الدين ولكن أردت أن أقتبس نمط اللا تسامح للتعبير عن اتخاذ آلهة حديثة جدا..أبرزها في رأيي العقل وبعض المباديء كالديموقراطية والحرية...أنا لا أعترض على عظيم النفع من هذه الأشياء ولكن أقف بوضوح ضد عبوديتها!

يقول الكاتب: "في الماضي كان اليقين المطلق للحقيقة تقريبا ما يتخذ شكلا دينيا فقط: كان الحق فقط هو وجود إله واحد. ثم بعد ذلك أضيفت أنواع يقينية أخرى قطعية, رويدا رويدا كلما كان فكر الإنسان ينفصل عن المحددات الدينية ليصبح أكثر استقلالا وتعقيدا مثل: الحقيقة المطلقة التي تأتي من العرف, من الرئيس, من العلم, من أحد المثل. أصبحت مشاعل كثيرة مضيئة ونقاط كثيرة راسخة, نذكرها في إجلال وتكتب بحروف استهلالية كبيرة, أصبحت بديلة للآلهة"


الكاتب: مايكل أنجلو ياكوبوتشي
الكتاب: أعداء الحوار (أسباب اللا تسامح ومظاهره)
ترجمة: د. عبدالفتاح حسن
مكتبة الأسرة 2010

الجمعة، ١١ مارس، ٢٠١١

الدولة الاسلامية والجزية ومصر

سبب كتابة هذه السطور: وجدت قلقا من زميلي بالعمل المسيحي بخصوص الدولة الاسلامية والجزية والاسلاميين..أعتقد سبب القلق هو عدم وضوح بعض المفاهيم
أكتب الآتي للمساهمة في محاولة إيضاحها
أعتقد أنها ليست واضحة أيضا لدى بعض المسلمين


ما معنى الدولة الاسلامية والجزية التي يدفعها أتباع الديانات السماوية؟
تبدأ القصة بدخول الكثير من الناس في الدين الاسلامي على عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- وتكون مجتمعا من المسلمين يجمعهم المكان والمصلحة والاهداف كان لابد من تنظيم لهذه المصالح والأهداف..وهذا التنظيم هو دولة الاسلام
الدولة الاسلامية: "وسيلة" لرعاية مصالح أفراد المجتمع وتحقيق أهدافه

الدولة عقد بين المسلمين أساسا ولهذا عند وجود فردا من غير المسلمين فإنه يدفع من المال مقابل مراعاة الدولة لمصالحه

الجزية: مقابل مادي لما تقدمه الدولة الاسلامية من خدمات "أمن ودفاع عن الممتلكات والأعراض وحق ممارسة الدين الآخر وما الى هذا"

ما الفرق بين هذا وبين الحال في مصر؟
انتهت الدولة الاسلامية في مصر مع الاحتلال..بعد ذلك كافح المسلم وغير المسلم على حد سواء لتحرير هذا البلد..وتم هذا بفضل الله علينا
لغير المسلم نفس الحق الذي للمسلم في هذا البلد نظرا لاشتراكهما في تحرير واستعادة الوطن

المسلمون أغلبية ولكن لا يحق لهم إهمال حق غير المسلمين في هذا البلد

الدولة الاسلامية لها مصالح وأهداف لا يريدها غير المسلم وادعاء إقامة دولة الاسلام في مصر الآن يتضمن هضم حق غير المسلم في هذا البلد

الأكثر ظلما هو مطالبته بدفع مقابل مادي نظير خدمات هذه الدولة المقدمة له عن طريق الجزية

الأليق بالأمر..عقد يشمل كل من له حق في البلد ويراعي مصالح جميع الأطراف بالاتفاق

من يتبنى هذه المفاهيم؟
أدعي أن هذا الحكم على الأمور هو الاتجاه العام في الاسلام الوسطي وهو اتجاه الأزهر والكثير من العلماء والمفكرون مثل الشيخ القرضاوي والدكتور محمد سليم العوا والكثيرين..ومعظم المصريين ينتمون لهذا الاتجاه

لماذا يحدث هذا الالتباس؟ - من وجهة نظري -
حفظ الدين من واجبات المجتمع المسلم وهو أيضا أحد أهداف الدولة الاسلامية (حفظ الدين والنفس والعرض والمال)..
وتنفيذ هذا الهدف مباشر وبسيط من خلال دولة الاسلام..ولكن كيف يتحقق هذا الهدف في ظل دولة مشتركة بين مسلمين وغير مسلمين..هو سؤال ينتظر اجابة عملية ومرضية من المفكرين الاسلاميين المعاصرين.

النظريات المطروحة الغير مكتملة والتي لا ترضي جميع الأطراف تسبب التباس وخلاف

الحلول/النظريات السهلة الناقصة
حل ينقصه إنصاف غير المسلم: إقامة دولة الاسلام
حل ينقصه إنصاف الدين: اقتصار الدين على العبادة واهمال كل ما يسبب تعارض مع اتفاقات وقوانين وضعية قد لا تراعي مصالح الدين المطلوبة من المسلم


الخميس، ٢ ديسمبر، ٢٠١٠

الغزالي وتهذيب الغريزة


حديث الغزالي عن تهذيب الغرائز جميل وفيه الكثير من المتفق عليه في عصرنا الحالي
قرأت عنه في مختصر دراسة نشرت على موقع OnIslam

تربية الغرائز والتحكم فيها: ويؤكد أن الانفعالات والعواطف جزء من الحياة النفسية، إذ لا يمكن إزالتها بالكلية وإنما تربيتها والتحكم فيها، إذ يقول: "اعلم أنه ظن ظان أنه يتصور محو الغضب بالكلية، وزعموا أن الرياضة إليه تتوجه وإياه تقصد، وظن آخرون أنّه أصل لا يقبل العلاج، وهذا رأي من يظن أن الخُلق كالخَلق، وكلاهما لا يقبل التغيير، وكلا الرأيين ضعيف، بل الحق فيه ما نذكره، وهو أنه ما بقي الإنسان يحب شيئاً ويكره شيئاً فلا يخلو من الغيظ والغضب، وما دام يوافقه شيء ويخالفه آخر، فلا بد من أن يحب ما يوافقه، ويكره ما يخالفه، والغضب يتبع ذلك".
ولما كانت تلك الانفعالات جزءاً حيًّا من الإنسان، فما عليه إلا أن يتحكم فيها ويوجهها توجيهاً صحيحاً ما دام مستحيلاً محوها بالكلية كما يقول الغزالي: “فليست الرياضة فيه لينعدم غيظ القلب. ولكن لكي يقدر على ألا يطيع الغضب، ولا يستعمله في الظاهر، إلا على حد يستحبه الشرع ويستحسنه العقل. وذلك ممكن بالمجاهدة، وتكلّف الحلم، والاحتمال مدة يصير الحلم والاحتمال خُلقاً راسخاً. فأما قمع أصل الغيظ من القلب، فذلك ليس مقتضى الطبع، وهو غير ممكن، نعم يمكن كسر سورته، وتضعيفه”.
"وكذلك الشهوة والغضب ينبغي أن يكونا تحت يد العقل، فلا يفعلا شيئاً إلَّا بأمره، فإن فعل ذلك صح له حسن الخلق، وهي صفات الملائكة، وهي بذر السعادة".

الفكر العلمي عند المسلمين



نظرا لدراستي العلمية فإن علاقتي بالكتب الأدبية والتاريخية علاقة ليست بالعميقة ولكن
بين الحين والحين أعمق هذه العلاقة ما استطعت..رزقني الله كتابا غاية الروعة عن تاريخ العلم عند المسلمين "تطور الفكر العلمي عند المسلمين" وكاتبه الدكتور محمد الصادق عفيفي, رزقه الله ثواب عمله المفيد.

ما أذهلني حقا عن علماء وعلم هذه الحضارة شيئين
أولهما: سلوك طلب العلم عندهم مدهش..يكاد يكون طلب العلم غريزي
وثانيهما: كم كان العلم عندهم ممزوج بثقافتهم وعقيدتهم..كان العلم مع غيره مصهورا صهرا, مكونا نتاجا جد مبهر ومشرف ومفيد, لم يكن العلم كما هو عندنا الآن دينا منفصلا مغلفا تحتاج أن تفصل نفسك فيه عن حاضرك وحضارتك وتتجرد فيه عن موروثاتك..كان العلم عندهم موجها لمشاكلهم التي لم تكن جميعها دنيوية وحاضرة, لكن تجدهم يطوعون عقولهم أيضا وعلومهم لخدمة دينهم "كالاجتهاد في تحديد أوقات الصلاة مثلا"..وكانت الدافعية للعلم عندهم لا تخلو من اعتقادهم بثواب من الله على عملهم.
لا أعلم كيف وفقهم الله لهذا النتاج المبهر ولكن على الأقل ما يعنيني الآن أنه من الممكن حصوله وأنه ينبغي علينا محاولة هذا غير تاركين لما ورثناه من دين وحضارة وقيم.

أود أن أسوق بعض المقتبسات عن علماء هذا العصر..مصدري لها هو كتاب الدكتور محمد الصادق عفيفي

أولا: غريزية طلب العلم


دخل ذات مرة صديقا للبيروني بعمل قاضيا يعوده وهو يجود بنفسه وحشرجت أنفاسه وضاق بها صدره , وكان في تمام وعيه, فقال له: كيف قلت لي يوما حساب الجدات الفاسدة؟ فقلت له: أفي تلك الحالة؟ قال لي: يا هذا, أودع الدنيا وأنا عالم بهذه المسألة. ألا يكون ذلك خير من أن أخليها وأنا جاهل بها, فأعدت ذلك عليه , وحفظه, وعلمني ما وعد وخرجت من عنده, وأنا في الطريق ما كدت أخطو بضع خطوات حتى سمعت الصراخ

روى احد تلاميذ البيروني: "كان من عادة شيخنا لاستاذ الرئيس. رحمه الله إذا آمر في كتبه من مؤامرات الأعمال لم يجيء بالمثال وإذا جاء على النذر اليسير منه جاء بالطريق المنغلقة, والألفاظ الفصيحة البعيدة عن الفهم, وسألته عن ذلك, فقال: سبب ذلك أني أخلي تصانيفي من المثالات ليجتهد فيما أودعته فيها من كانت له دربة واجتهاد, وهو محب للعلم, ومن كان من الناس على غير هذه الصفة فلست أبالي به فهم
أم لم يفهم فعندي سواء"

أبو عبد الله محمد بن جابر البتاني من علماء العصر العباسي ومن أعظم الفلكيين في الاسلام كتب معلقا على ما يقع من خطأ لعلماء الفلك "وأن الذي يكون فيها من تقصير الإنسان في طبيعته عن بلوغ حقائق الأشياء في الأفعال, كما يبلغها في القوة, يكون يسيرا غير محسوس عند الاجتهاد والتحرز, ولا سيكا في المدد الطوال, وقد يعين الطبع, وتسعد الهمة, وصدق النظر, وأعمال الفكر والصبر على الأشياء, وإن عسر ادراكها, وقد يعوق عن كثير من ذلك قلة الصبر ومحبة الفخر, والحظوة عند ملوك الناس, بإدراك ما لا يمكن إدراكه على الحقيقة في سرعة, أو إدراك ما ليس في طبيعته أن يدركه الناس لأن الحركات السماوية لا يحاط بها معرفة مستقصاه حقيقية, إلا بتمادي العصور والتدقيق في الرصد."

يقول ابن ابي صبيعة عن ابن الهيثم: "كان ابن الهيثم في أول أمره بالبصرة ونواحيها قد وزر (أصبح وزيرا), ولكن نفسه كانت تميل الى الفضائل والحكمة والنظر فيها, ويشتهي أن يتجرد عن الشواغل التي تمنعه من النظر في العلم..., فاظهر خبالا في سلوكه حتى تمكن من ترك الخدمه"

ثانيا: تزاوج العقل والقلب والنظرة الشمولية للعلم والدين والدنيا

كتب البيروني في مقدمة كتاب له عن البصريات عن أبي الحسن بن الهيثم "فأما البحث عن النور الموجود وما يتعلق به وبعدمه المسمى ظلا بالعموم ومظلا بالخصوص, فهو من نوع التعاليم الرياضية التي تحصل بها أعراض كل مستند الى الدين معتضد بمنهاج الصراط المستبين, كالشيخ أبي الحسن في تحليله بهذه الصفات, قد اشتهر بفرط الإهتزاز لمعرفة أوقات الصلاة, وشدة الولوع بما يوقف بها عليها من الآلات اهتماما منه لسعادة العقبى, عندما أهله الله له من سعادة الأولى, تحمله على ارتياد الفضيلة بين السعادتين"


قال العالم ان حزم الأندلسي عن التنجيم: "زعم قوم أن الفلك والنجوم تعقل وأنها ترى وتسمع وهذه دعوى باطلة بلا برهان, وصحة الحكم: أن النجوم لا تعقل أصلا , وأن حركاتها أبدا على رتبة واحدة لا تتبدل عنها , وهذه صفة الجماد الذي لا اختيار له.., وليس للنجوم تأثير في أعمالنا ولا عقل تدبرنا به إلا إذا كان المقصود أنها تدبرنا تدبيرا طبيعيا كتدبير الغذاء لنا, وكتدبير الماء والهواء , ونحو أثرها في المد والجزر.. وكتأثير الشمس في عكس الحر وتصعيد الرطوبات, والنجوم لا تدل على
الحوادث المقبلة."

يعتبر ابن الهيثم أول من وضع طريقة علمية واضحة للبحث التجريبي.. وأركانها من وجهة نظره "الإستقراء
والقياس والمشاهدة والملاحظة والتجربة وتحري الحقيقة ومجانبة الهوى. وقد قال في العدل وطلب الحق ومجانب الهوى "ونجعل غرضنا في جميع ما نستقريه ونتصفحه استعمال العدل, لا اتباع الهوى. ونتحرى في سائر ما نميزه وننتقده طلب الحق, لا الميل مع الآراء...فلعلنا بهذا الطريق الى الحق الذي به يثلج الصدر ونصل بالتدريج والتلطف إلى الغاية التي عندها يقع اليقين, ونظفر مع النقد والتحفظ بالحقيقة التي يزول معها الخلاف, وتنحسم مواد الشبهات"


الجمعة، ٢٢ أكتوبر، ٢٠١٠

مسميات ومعتقدات


لا يثير الحدث أو الشيء في حد ذاته المشاعر والتبعات العاطفيه, ولكن اعتقادي وتفسيري لهذا الحدث هو ما يثير ذلك. عندما أتحدث الى شخص ما ولا يرد علي فأعتقد أنه يتجاهلني فإن ذلك يغضبني منه, ولكن نفس الموقف بنفس الطريقة مع اعتقادي بأن الشخص لم يسمعني نظرا لضجيج ما فإن هذا لا يثير غضبي إطلاقا..الاعتقادات والتفسيرات هي التي تولد المشاعر لا الموقف في حد ذاته إذن. أول من تحدث عن هذا المبدأ عالم اسمه "ألبرت إلييس" في نوع من العلاجات النفسية يسمى "العلاج السلوكي المعرفي" والذي يسعى لتغيير سلوك الفرد من خلال تغيير أفكاره ومعتقداته.

أعتقد أيضا أن إعادة توصيف الأشياء أو الأحداث بمسميات أخرى قد يغير كثيرا في ما تعتقده بخصوص هذا الشيء أو هذا الحدث وبالتالي عواطفك تجاهه وسلوكك في النهاية.

يستخدم الشيطان "خذله الله" هذا المبدأ أيضا ببراعة لتغيير سلوك وعمل الفرد وعادة ما يكون مضمون المسمى الجديد نقيصة تنتقص من اتزان الشخص النفسي أو نقيصة مجتمعية.

وهذه أمثلتي التي أشاهدها

يا خايب ياللي واخدين منك حقك
هذه الجملة شارحة لنفسها..أقول لنفسي دائما "منتهى الضعف أن يسلب منك حقك ومنتهى القوة أن تتنازل عنه" وهذا سمت النبي (صلى الله عليه وسلم) في فتح مكة..ولكن يأتي الشيطان ليعيد تسمية منتهى القوة بمنتهى الضعف ويصرفك عن "فمن عفى وأصلح فأجره على الله" وهو أشهر الأمثلة وأراها في نفسي وغيري كل يوم.

طبيب العيادة الخارجية بأحد المستشفيات العامة
يتردد المرضى على العيادة بأعداد كبيرة يوميا..ثمن تذكرة العيادة زهيد جدا مما يحفز البعض على أن يأتي ليطمئن على نفسه حتى وإن لم يكن يعاني من شيء مهم.."الراجل نازل يتفسح وقال بالمرة أعدي على الدكتور اللي قاعد جوة ده أوجعله دماغه" هذا ما قاله الطبيب..تغيير الاعتقاد من "فقير غلبان" الى "مستغل" يغير كثيرا من سلوك الطبيب..لكن يبقى خدمة المريض مهما كان درجة استغلاله عملا صالحا.

طبيب الامتياز تحت التدريب
في المستشفيات العامة يكون الضغط على الاطباء كثير..وتأتي النجدة عندما يكون لديك أطباء امتياز حيث يمكنك استغلالهم في "مشاوير" وتوفر على نفسك المجهود..بعض الأطباء يجيد هذا الاستغلال وهذا يثير ضجر أطباء الامتياز كثيرا وهو في عرف العمل مسمى "ديرتي" أو العمل القذر..بالرغم من أن هذا "المشوار" ليس من مهام الطبيب المتدرب وهو فعلا نوع من الاستغلال ولكن هذه التسمية تجعلك تنفر من مساعدة مريض لو لم تساعده لن يساعده أحد..وإن عرض عليك الأمر في صورة غير هذه فلن تتأخر لحظة واحدة مثل أن تساعد شخص ضعيف في عبور الشارع.
منتهى البراعة من الشيطان أن يدفع غيرك على استغلالك ليبغضك في شيء حسن.

الرجعية - التخلف - التشدد
لا أنكر أن هناك من الأفعال ما تستحق التوصيف ببعض هذه الأوصاف المذكورة وهذا شيء طبيعي..ولكن في كثير من الأحيان "وأعني الكثير" تستخدم هذه المسميات لما هو في أصل الدين بالفعل, والأكثر من ذلك قولبة المتدين في قالب غير محبب الى الذهن بمسمى أو بآخر, فهذا بالذات يجعلك تنفر من الشخص "وتنفر من فعل ما يفعله إذ يجعلك شبيه به" وهو في معظمه من الدين..هذه الحالة من النفور تراها في آخر سورة المؤمنون "فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون"

التعامل المعرفي مع لعبة المعتقدات والمسميات

ليس الهدف من كل ما قيل هو اقناعك بمعتقد أو تفسير دون آخر..فسواء تفسير "أنت يؤخذ منك حقك" أو تفسير "التنازل عن الحق قمة القوة" له منطقه المتسق والسليم وأنا لا أجادل على صحة واحد دون الآخر. فعلا ليس من حق الطبيب أن يستغل المتدرب لديه بهذه الطريقة واستغلاله في مهام خارج توصيف عمله. أيضا يوجد من المرضى من يستغل فرصة العلاج المجاني..أنا لا أناطح فكرة أو منطق بنقيضه ولكن أهدف من كل هذا شيئين أساسيين
أولا ليس دائما مواقف فعل الخير في الصورة المثالية "فقير غلبان كسير العين والصوت مؤدب الطلب" ولكن قد يكون مثلا "فقير قليل الأدب سليط اللسان بلطجي"..ولكن يبقى رغم كل هذا أنه عمل صالح وأعتقد أنه كلما زادت الصعوبات "استغلال - ضغط اجتماعي - غضب - غيرة الخ" كلما زاد عظم هذا العمل الصالح.
ثانيا تعديل التفسيرات والمعتقدات قليلا واستبدالها بأخرى أكثر عملية وواقعية عن الحياه يسهل كثيرا فعل العمل الصالح تحت الضغوط واتباع خطوات النموذج المعرفي التالي قد يساعد في هذا كثيرا.

هذا النموذج مأخوذ من نموذج ألبرت إلييس للتحكم في الغضب وقد أضفت عليه الخطوة الأولى في تحديد المرجعية
  1. أولا: مرجعية: وهو الدين والقاعدة التي تبني عليها العمل الصالح مثل "مساعدة المريض والسعي لقضاء حجة المسلم" وغير ذلك من الأعمال الصالحة. قم بتذكر هذا جيدا واجعله هدفا لك

  2. ثانيا: موقف: وهذا هو الحدث الذي تتعرض له ويثير لديك معتقدات بخصوصه مثلا " مريض سليط اللسان" ويتصرف بوقاحة

  3. ثالثا: معتقدات: وهذه هي تفسيراتي لما أراه أمامي "راجل قليل الأدب". هذه هي النقطة الأهم فهناك من المعتقدات ما يثير مشاعر سلبية تبعدني عن العمل الصالح مثلا "لابد من احترام الطبيب والمكان والتصرف ببالغ الأدب" هذه فكرة صحيحة ولكنها مثالية أيضا.

  4. رابعا: مشاعر: وهذه هي ما يترتب على معتقداتي وتفسيراتي من مشاعر "غضب - حزن - فرح الخ" إذا كان تفسيري هو التفسير الأول المثالي فإني قد أواجه مشاكل في استمرار تقديم العمل الصالح إذ سوف أشعر بالغضب أو بالإهانة أو بالضجر.

  5. خامسا: مراجعة : وهذه الخطوة هي استبدال الفكرة أو المعتقد المثالي الذي تبنيته "لابد من احترام الطبيب والمكان والتصرف ببالغ الأدب" بفكرة أخرى أكثر عملية وواقعية مثل " المرضى أنواع فيهم المحترم وفيهم قليل الأدب, فليعينني الله على قليل الأدب أساعده وأمنع قلة ادبه" فهذه الفكرة لا تناقض مبادئي وتساعدني على الاستمرار في هدفي من فعل الخير وتجنبني ضغط المشاعر الواقعة علي من الاعتقاد الأول.

الجمعة، ٣٠ أكتوبر، ٢٠٠٩

العلوم الحديثة في الاعجاز العلمي وسيلة أم غاية؟


المنهجية:

حقيقة يفتقد مجال الاعجاز العلمي الى الضبط والربط..فلا يوجد أي نقد علمي لما يتم عرضه..
ربما يوجد من ينتقد ويفند ويأخذ مواقف واضحة إزاء بحث أو آخر ولكن هذا في جانب العلوم الدينية فقط..
لكني لا أرى من ينتقد جانب العلم المادي ويقف على تقييمه أويقوم بنقد وجاهة الربط بين الجانب العلمي والديني في الموضوع محل البحث.
سألت عن هذا في المواقع القائمة على نشر الأبحاث فلم أجد مراجعة علمية منهجية منهم..والمؤتمرات القائمة على هذا توفر لجنة تقرر إما قبول أو رفض البحث دون مراجعات أو تدقيق مفصل.

المرجعية:

أستشعر من كثير ممن يكتبون بالمجال أنهم يعاملون العلوم الحديثة معاملة المسلّمات ليس تقديسا للعلم ولكن من باب "أهوه..انت اللي قلت مش أنا"
ينتج عن هذا مشكلتان واضحتان:

الأولى: أن هناك من يستند في منطقه على نظريات قد يختلف عليها بل ولربما هناك نظريات معاضة قد تساويها في نفس القوة إن لم تفقها..ناهيك عمن أخذ بنظريات مرفوضة وغير متفق عليها والأدهى عمن يأخد من مجالات شبه علمية ولا أساس لها من العلم المادي كالطب البديل وطب الطاقة ثم يقوم بتقديمها على أنها أحد النظريات بالعلوم الوضعية..وكأن كل أجنبي يتحدث من الخارج أصبح مصدر يعتد به.

الثانية:
إذا كان هناك طرفان تريد أن توصل بينهما..طرف ثابت وآخر متغير..المطلوب تحريك المتغير حتى يأتي الى جوار الثابت..لا ينبغي تحريك الثابت (تحميل الدليل ما لا يحتمل) وتثبيت المتغير (العلوم الحديثة)..
المشكلة الثانية هي محل النقد الاكبر تظرا لأن هناك من علماء الدين من يتابعون الأبحاث ويعترضون على تحميل النصوص على غير مسارها..والمشكلة الثانية هي مدخل من يرفض على الاطلاق محاولة تفسير القرآن بالعلوم الحديثة
لا تلقى المشكلة الأولى نقدا أو اهتماما..وهو شيء محزن للأسف..فنتاج هذا هو حالة من التمحور حول الذات..فالناس ترى الأبحاث هذه وتكبر وتحمد الله وتتعجب لماذا لا يؤمن الناس بمجرد قرائتهم لهذه الأبحاث.


من كل هذا أود أن أدون بعض الملاحظات:

-الاعجاز العلمي مجال جد رائع ويتطلب المزيد والمزيد من الاهتمام به ووضع أسس منهجية له
-نفي القداسة عن العلم الوضعي لا يختلف عليه اثنان..ومن يقدسه هو لا يقدس العلم نفسه بقدر ما يقدس العقل البشري وهو إله يعبد من دون الله حاليا..المسلم يؤمن أن العقل والحواس أداة معرفة الإله لا الإله ذاته

-
وبم أن العلم والعقل أداة إذن ينبغي النظر للعلم على أنه امتداد للإحساس..امتداد للعين والأذن واللمس والإدراك في عمومه. لا قداسة للعلم ولكن ينبغي الأخذ به لأنه عين وأذن ويد أفضل فهو ليس مجرد تكهنات ولكن تراكم خبرات تجريبية..أستخدمها لأفهم ديني بشكل أفضل وهذا ما فعله المفسرون السابقون.. استخدموا ما يعرفون من خبرات معروفة في زمانهم لمحاولة فهم القرآن وعند حدوث الخطأ فهو خطأ في الفهم لا في النص ويبقى مقام النص مصونا محفوظا.

-
الانطلاق من التأمل في الايات القرآنية ثم البحث في العلم هو الاتجاه الأصوب للمقاربة بين العلوم الدينية والعلوم الحديثة..وهو ذو وقع أقوى على المجتمع العلمي والعالم الحالي لأنه يضيف الى العلوم الموجودة..وذو عائد أقوم للعلوم الدينية إذ يساهم في تطوير وتعديل الخطاب الديني بما يسهل التواصل مع الناس ليس فقط العامة بل المتخصصون والنخبة وهو ما نفتقده بشدة.